السيد الطباطبائي

36

تفسير الميزان

الكفر من آثار الطغيان وتبعاته . قوله تعالى : " وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " ضمير بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على اليهود خاصة وإن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامة ، وعلى هذا فالمراد بالعداوة والبغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب والآراء ، وقد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله : " ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة - إلى أن قال - فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " ( الجاثية : 17 ) وغير ذلك من الآيات . والعداوة كأن المراد بها البغض الذي يستصحب التعدي في العمل ، والبغضاء هو مطلق ما في القلب من حالة النفار وإن لم يستعقب التعدي في العمل فيفيد اجتماعهما معنى البغض الذي يوجب الظلم على الغير والبغض الذي يقصر عنه . وفى قوله تعالى : " إلى يوم القيامة " مالا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم إلى آخر الدنيا . قوله تعالى : " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله " إيقاد النار إشعالها ، وإطفاؤها إخمادها ، والمعنى واضح ، ومن المحتمل أن يكون قوله : " كلما أوقدوا " ( الخ ) بيانا لقوله : " وألقينا بينهم العداوة " ( الخ ) فيعود المعنى إلى أنه كلما أثاروا حربا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين أطفأها الله بإلقاء الاختلاف بينهم . والآية على ما يدل عليه السياق تسجل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران التي يوقدونها على دين الله سبحانه ، وعلى المسلمين بما أنهم مؤمنون بالله وآياته ، وأما الحروب التي ربما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحق بل لسياسة أو تغلب جنسي أو ملى فهي خارجة عن مساق الآية . قوله تعالى : " ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين " السعي هو السير السريع ، وقوله : " فسادا " مفعول له أي يجتهدون لافساد الأرض ، والله لا يحب المفسدين فلا يخليهم وأن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم ، والله أعلم .